عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
321
معارج التفكر ودقائق التدبر
المحكم ، إلّا الّذين كفروا كفرا إراديّا بالحقّ ، بعد أن ظهرت لهم أدلّة كونه حقّا ، فستروا إدراكهم لها بجحودهم ، ويجادلون لسترها بحيلهم وزخرف أقوالهم ، وما يصطنعونه من أكاذيب ومفتريات . والكافرون بالحقّ الرّبّانيّ يبطل اللّه سعيهم وأعمالهم الرّامية إلى إبطال الحقّ ، ونصر باطلهم عليه ، ويجعل عاقبتهم ذلّا وهزيمة وانكسارا ، وخزيا وصغارا ، ويحقّ اللّه الحقّ بكلماته ولو كره الكافرون ، وتعلو في الأجواء راية : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 ) . * . . . فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ( 4 ) : أي : فلا يخدعك أيّها المشاهد لأحوال النّاس إمهال اللّه لهم في رحلة امتحانهم ، إذ جعلهم يتقلّبون متصرّفين آمنين في البلاد كما يشاءون ، إقامة وسفرا وكسبا ومتاعات ، كما يتصرّف غيرهم من النّاس ، دون إنزال العقاب عليهم ، فلهم ساعة يكونون فيها خزايا نادمين ، بمقتضى حكمة اللّه وعدله ، وعلى وفق سنّة إمهاله لعباده لقطع كلّ أعذارهم . يقال لغة : « تقلّب في الأمور » أي : تصرّف فيها كيف شاء . و « تقلّب في البلاد » أي : تنقّل فيها حرّا آمنا . قول اللّه تعالى : * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ( 5 ) : سبق في نجوم التّنزيل بيان إهلاك اللّه عزّ وجلّ كفّار قوم نوح عليه السّلام ، وبيان إهلاك كفّار عاد وثمود ، وقوم لوط ، وقوم شعيب عليهما السّلام ، وفرعون وملئه وجنودهم ، وغيرهم من الكافرين برسل ربّهم ، وقد أطلق اللّه عليهم عنوان « الأحزاب » في ( 11 ) موضعا من القران المجيد ؛ لأنّ المؤمنين الصّادقين حزب واحد هو « حزب اللّه » . أمّا الكافرون فلا يجمعهم حزب واحد ، بل هم أحزاب متعدّدون .